الحلبي
195
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الظاهر ، فمكث مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة ، فبدأ فيه أكل الأرضة ، فأرسل الظاهر برقوق منبرا ، فرفع منبر الملك الظاهر بيبرس ووضع منبر الملك الظاهر برقوق ، ومكث ثلاثا أو أربعا وعشرين سنة . ثم إن السلطان المؤيد شيخ لما بنى مدرسته بالقاهرة التي يقال لها المؤيدية عمل أهل الشام له منبرا وأرسلوا به إليه ليجعله في مدرسته ، فوجد أهل مصر قد صنعوا لها منبرا فسير المؤيد منبر أهل الشام إلى المدينة فمكث سبعا وستين سنة . ثم أحرق في الحريق الواقع في المسجد ثاني مرة ، ثم جعل موضعه منبر مبني بالآجر مطلي بالنورة ، فمكث إحدى وعشرين سنة ثم جعل موضعه المنبر الرخام الموجود الآن . قيل : وأعجب منبر في الدنيا منبر جامع قرطبة قاعدة بلاد الأندلس بالمغرب . ذكر أن خشبه من ساج وأبنوس وعود قاقلى ، أحكم عمله ونقشه في سبع سنين ، وكان يعمل فيه سبع صناع ، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال ذهب ، فكان جملة ما صرف على أجرته عشرة آلاف مثقال وخمسين مثقالا ، وبالجامع المذكور مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه بخط يده ، وفيه نقط من دمه . وفي هذا المسجد ثلاثة أعمدة حمر ، مكتوب على أحدها اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم . وعلى الثاني صفة عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام ، وأهل الكهف . وعلى الثالث صورة غراب نوح ، الجميع خلقة ربانية ولا بدع . فقد ذكر بعضهم رأيت بحمام القاهرة رخامة عليها مكتوب بسم اللّه الرحمن الرحيم مفسرا يقرؤه كل أحد خلقة . وعن سهل قال « رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أول يوم جلس على المنبر أي من الخشب كبّر ، فكبر الناس خلفه ، ثم ركع وهو على المنبر ، ثم رجع فنزل القهقرى ، ثم سجد في أصل المنبر ، ثم عاد حتى إذا فرغ من الصلاة يصنع فيها كما يصنع في الركعة الأولى . فلما فرغ أقبل على الناس وقال : أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي » وقوله لتأتموا بي : أي تقتدوا بي في مثل هذا الفعل من الإحرام والركوع على المحل المرتفع ثم النزول عنه والسجود تحته ثم الصعود إليه ، وهكذا إلى أن تتم الصلاة ، وهذا عند أئمتنا مخصوص جوازه بما إذا لم يلزم عليه استدبار القبلة أو توالي حركات ثلاث ، وقوله : « ولتعلموا صلاتي » هو واضح ، لو كان ذلك أول صلاة . إلا أن يقال المراد ولتعلموا جواز صلاتي هذه . وفي كلام فقهائنا أنه صلى اللّه عليه وسلم كان ينزل من المنبر ، ويسجد للتلاوة أسفل المنبر ، وآخر الأمرين ترك ذلك . فعلم أن منبره صلى اللّه عليه وسلم كان ثلاث درجات بالمستراح . وحينئذ يشكل إن صح ، ما روي أن أبا بكر نزل درجة عن موقفه صلى اللّه عليه وسلم ، وعمر نزل درجة